محمد بن جرير الطبري

24

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

صادا مشددة . وقرأ ذلك بعض قراء المكيين : " كأنما يصعد " من صعد يصعد . وكل هذه القراءات متقاربات المعاني وبأيها قرأ القارئ فهو مصيب ، غير أني أختار القراءة في ذلك بقراءة من قرأه : كَأَنَّما يَصَّعَّدُ بتشديد الصاد بغير ألف ، بمعنى : يتصعد ، لكثرة القراء بها ، ولقيل عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " ما تصعدني شيء ما تصعدتني خطبة النكاح " . القول في تأويل قوله تعالى : كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ يقول تعالى ذكره : كما يجعل الله صدر من أراد إضلاله ضيقا حرجا ، كأنما يصعد في السماء من ضيقه عن الإيمان ، فيجزيه بذلك ، كذلك يسلط الله الشيطان عليه وعلى أمثاله ممن أبى الإيمان بالله ورسوله ، فيغويه ويصده عن سبيل الحق . وقد اختلف أهل التأويل في معنى الرجس ، فقال بعضهم : هو كل ما لا خير فيه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : الرجس : ما لا خير فيه . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نحيح ، عن مجاهد : يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ قال : ما لا خير فيه . وقال آخرون : الرجس : العذاب . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ قال : الرجس : عذاب الله . وقال آخرون : الرجس : الشيطان . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : الرِّجْسَ قال : الشيطان . وكان بعض أهل المعرفة بلغات العرب من الكوفيين يقول : الرجس والنجس لغتان . ويحكى عن العرب أنها تقول : ما كان رجسا ، ولقد رجس رجاسة ، ونجس نجاسة . وكان بعض نحويي البصريين يقول : الرجس والرجز سواء ، وهما العذاب . والصواب في ذلك من القول عندي ما قاله ابن عباس ، ومن قال : إن الرجس والنجس واحد ، للخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا دخل الخلاء : " اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم " . حدثني بذلك عبد الرحمن بن البختري الطائي ، قال : ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، عن إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن وقتادة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقد بين هذا الخبر أن الرجس هو النجس القذر الذي لا خير فيه ، وأنه من صفة الشيطان . القول في تأويل قوله تعالى : وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ يقول تعالى ذكره : وهذا الذي بينا لك يا محمد في هذه السورة وغيرها من سور القرآن ، هو صراط ربك ، يقول : طريق ربك ودينه الذي ارتضاه لنفسه دينا وجعله مستقيما لا اعوجاج فيه ، فاثبت عليه وحرم ما حرمته عليك وأحلل ما أحللته لك ، فقد بينا الآيات والحجج على حقيقة ذلك وصحته لقوم يذكرون ، يقول : لمن يتذكر ما احتج الله به عليه من الآيات والعبر ، فيعتبر بها . وخص بها الذين يتذكرون ، لأنهم هم أهل التمييز والفهم وأولو الحجا والفضل ، فقيل : يذكرون . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً يعني